القاضي التنوخي
205
الفرج بعد الشدة
ولم أكتب بالخبر في ذلك إلى الفضل لئلا يتوهم بذلك استدعاء العوض . فكتب بذلك صاحب سر كان علينا فوقع على ظهر كتابه قد علمت أنك إنما أمسكت عن الكتاب بما فعله دينار ونعيم لئلا يتوهم عليك الاستدعاء للصلاة ، وقد رأيت أن تقبض لنفسك عوضا من ذلك مائتي ألف درهم . قال الريان : فلم تمض سبعة وعشرون يوما حتى حصلت عندي سبعمائة ألف درهم . وذكر محمد بن عبدوس في كتابه عن جبريل بن بختشيوع الطبيب في خبر طويل أنه سمع المأمون يقول : كان لي في خراسان يوما عجيبا وأولاني الله فيه بإحسانه الجميل ، وذلك لما توجه طاهر بن الحسين لحرب علي بن عيسى بن ما كما قد عرفتموه من ضعف طاهر وقوة على وقع في نفوس عسكري جميعا ان طاهر ذاهب ، ولحق أصحابي إضاقة شديدة وظهرت فيهم خلة ، ونفذ ما كان معي ولم يبق منه قليل ولا كثير وأفضيت إلى حال كان أصلح ما فيها الهرب ، فلم أدر إلى أين أهرب ولا كيف أجد ، فبقيت حائرا متفكرا وأنا والله كذلك نازلا في دار أبوابها حديد ، ولى متشرفات أجلس فيها إذا شئت ، وعدة غلماني ستة عشر غلاما لا أملك غيرهم إذا بالقواد والجيش جميعا قد شغبوا على ، وطلبوا أرزاقهم وولغوا جميعا يشتمون وتكلموا بكل قبيح ، وكان الفضل بن سهل بين يدي فأمر بإغلاق الأبواب وقال لي : قم فاصعد إلى المجلس الذي يتشرف فيه إشفاقا على من دخولهم ، وسرعة أخذهم إياي وتعليلا لي بالصعود . فقلت له : ويحك ما يغنى الصعود والقوم يدخلون الساعة ليأخذوني . فلئن أكون بموضعي أصلح . فقال : اصعد فوالله ما تنزل إلا خليفة ، فجعلت أهزء به وأعجب منه وأحسب أنه ما قال إلا ليستجسني وأردت الهرب من أبواب الدار ، فلم يكن إلى ذلك سبيل لإحاطة القوم بالدار والأبواب . كلها . فألح على إلى أن صعدت وأنا وجل فجلست في المشرفات ، وأنا أرى العسكر فلما علموا بصعودي اشتد طلبهم وشتمهم وضجيجهم ، ونادوني بالوعيد والشتم فأغلظت على الفضل بن سهل وقلت له :